مبرئ المذنب ومذنب البريء


تحدث
الحكيم سليمان في سِفره عن كثير من المفاهيم الحياتية، عندما نقرأها نجدها تناسب كل العصور وكل أوقات حياتنا، وتعاصر كل الأحداث، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. والحكيم هو مَنْ يقرأ الكتاب المقدس لفائدة حياته وأخذ ما به، على أنه موجَّه له بصفة خصوصية وليس كلامًا عامًا ينساه الإنسان بمجرَّد طيّ الصفحات.. وهنا نقف أمام قانون، أو قُل ميزان حسَّاس نَزْن عليه أفعالنا وأقوالنا، إذ يقول: "مُبَرِّئُ الْمُذْنِبَ وَمُذَنِّبُ الْبَرِيءَ كِلاَهُمَا مَكْرَهَةُ الرَّبِّ" (أم 17: 15). ولنُرَكِّز كلما على خاتِمة الآية ولا نتجاهلها، وهي "كلاهما مكرهة الرب"، ولعل ذلك يوقِظ داخلنا الضمير النائِم أو مَنْ أماته البعض داخله لكي لا يشعر أبدًا بتأنيبه على أي فِعل أو قول يصدر منه.

فنحن في هذه الأيام العصيبة، ومنذ أن سمعنا خبرًا ارتجَّت إليه أركان المسكونة، وعلى وجه الخصوص كنيستنا القبطية الأرثوذكسية، وأدْمَت بسببه الرهبنة القبطية في أرجاء الديار المصرية وخارجها، ألا وهو مَقْتَل رئيس دير عريق داخل ديره، وهذا ما لا يخطر على عقل إنسان أو يتوقعه أحد، حدثًا سأمت من سماعه الآذان، ودقَّت ضربات القلب أقوى من نواقيس الخطر، وارتجفت منه مشاعر وأحاسيس الكل.. رأينا مشهد في منتهى الغرابة من داخل الكنيسة وخارجها، من أبنائنا المسيحيين ومن غيرهم، من الإكليروس ومن العِلمانيين، كِلًا على حدٍ سواء، لم يلتزم الصمت حتى يظهر النور وتنقشع الظُّلمة، ولكن قام البعض بكتابة المقالات وتسجيل الأحاديث بإدانتهُ الحادث، وهذا أمرًا طبيعيًّا منَّا جميعًا. فلا يوجد مَنْ لم يدِن الحادِث الهمجي، الذي بلا رحمة ولا إنسانية ولا أدنى المبادئ المسيحية، ولكن ما تخطَّى الخط الأحمر هو مَنْ توسموا في أنفسهم أنهم قُضاة المسكونة بدلًا من السيد المسيح الديَّان العادِل، وقاموا بإدانة أحد الأطراف وتبرئة الطرف الآخر، وقام البعض بتبرئة مَنْ أُدين من الآخرين وإدانة الطرف البريء، وقام هؤلاء ضد أولئك في سَرْد الأحداث وإيجاد الأسباب للتبرئة والإدانة، وكل هذا في ساعات وأيام مبكرة للحادِث، دون معرفة مُلابسات ما حدث، أو الدراية الكافية لكي يمسك البعض أحد الأجهزة بيده ويكتب عليها ويرسلها عبر شبكة الإنترنت ليقرأها الآلاف والملايين.. وينساق البعض الغير مُدقِّق في تعليقات تحمِل الإهانة والإدانة للبعض وتبرئة وغسل أيدي البعض الآخر.
وكان من الأفضل أن يصمت هؤلاء وأولئك ويصلّوا من عمق قلوبهم أن يُظْهِر الله الحقيقة ويزيل الظلمة وينكشف النور، ويحفظ الله كنيسته في سلام دائم دون أن نفتح الباب على مِصراعيه لعدو الخير الذي دخل وزرع زوانًا كثيرًا وسط الحِنطة ونحن نيام لا ندري مكائد وأضاليل عدو الخير (مت 13: 25).. والله ينظر إلينا ويصمت بدلًا منّا عملًا بمقولة الأم سارة: "سَكِّت فمك ليتكلَّم قلبك، وسكِّت قلبك ليتكلَّم الله". ففي صمتنا الفمي، ينبض القلب بهمسات تطلب تدخُّل الله في حياتنا، أو في هذا الهدوء مع نبضات القلب الصارِخة إلى الله بأن يتدخَّل، ينظر ويستجيب، ويتكلَّم هو بكلماته الإلهية المُحيية. ولكن في حالة عكس ذلك، وكلام البشر وتراشُق الاتهامات والتبرئات، وعلوّ الصوت والضوضاء، يصمت الله ويتركنا إلى فلسفة الكلام وتراشُق الألفاظ، والحِكمة البشرية الخالية من العمل الإلهي، ونترك العمل الخفي في القلب ومُناجاة الله بإظهار الحقيقة وحِفْظ الكنيسة سالِمة من كل كدر وإعطاء الحِكمة للكل، بل أيضًا لا نأخذ حذرنا من عدم أمانتنا في أفعالنا وتصرّفاتنا التي تجعلنا مكرهة الرب، وأن نكون أمناء فيما نقول وفي أفعالنا كلها، ولا نحيد عن الحق الذي هو المسيح القائل: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو 14: 6). ولنتذكَّر أيها الأحباء دائمًا قول سليمان الحكيم: "مبرئ المذنب ومذنب البريء كلاهما مكرهة الرب"، لكي نكون أكثر حرصًا في أحكامنا وأقوالنا، فالكنيسة تحتاج إلى الصلاة أكثر من الكلام.


مقالات الراهب القمص بطرس البراموسي