تربية الطفل في الكنيسة القبطية



سر قوة الكنيسة القبطية منذ بدء انطلاقها في القرن الأول الميلادي حتى الآن، بالرغم من الظروف القاسية التي عاشت فيها حتى ليبدو بقاؤها أحد المعجزات السبع في العالم كما قال أحد المؤرخين هو اهتمامها بالأطفال ليدركوا حقيقة عضويتهم، ويمارسوا دورًا حيًا وفعالًا فيها.

حقا إن إمكانيات الكنيسة الغربية المادية والفنية لها أثرها الكبير علي اهتمامها بالأطفال مثل إصدار كتب ومجلات للأطفال تتناسب مع كل سن، وابتكار وسائل إيضاح حديثة وألعاب إلخ.. مع دراسات متخصصة في تربية الطفل والصبي والشاب، هذه الأمور التي ربما لا تستطيع كنيسة الشرق بإمكانياتها أن تجاري الغرب، لكن مع هذا يجد الطفل متعته ومكانه في الكنيسة الشرقية، خاصة القبطية أكثر من الغرب، وذلك يرجع للآتي:
1- يتجلي إيمان الكنيسة بدور الطفل وأهميته في تمتعه بالميلاد الثاني خلال المعمودية دون أية شروط للسن، فتتلقفه المعمودية ربما وهو ابن أيام قليلة ليعمل روح الله فيه فيجعل منه ابنًا لله ومسكنا للروح القدس له كل حق العضوية الكنسية.
كثيرا ما نسأل: لماذا يعمد الأطفال وهم بعد لم يدركوا معني الإيمان؟ نجيب علي هذا السؤال، إنه بجانب دعوة السيد المسيح للأطفال: "دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات"، وبجانب شهادة سفر الأعمال إن من كان يعتمد يأتي مع أهل بيته بما فيهم من أطفال، فإن عماد الأطفال تأكيد حق لعضوية الطفل في الكنيسة، التي تقوم لا علي مجرد القبول الإيماني الفكري البحت وإنما علي عمل روح الله القدوس في حياة الإنسان أيا كان عمره! كم من أطفال سبقوا ببساطة إيمانهم الناضجين عمرًا!
الطفل القبطي منذ نعومة أظافره يتمتع بسر الأفخارستيا، فيشعر بالكنيسة أما له، تقوته بجسد الرب ودمه، وتقدر خلاص نفسه، وتهتم به.

هذا وتمتع الأطفال بالعماد وسر الميرون وشركة الإفخارستيا علي إيمان أبائهم إنما يؤكد إدراك الكنيسة لدور الأسرة في حياة الطفل. فالأسرة في نظرنا هي كنيسة البيت، كنيسة مقدسة، ملتزمة بتربية الأطفال بفكر إنجيلي وحياة إيمانية، لا خلال الوصايا والتلقين فحسب وإنما خلال الممارسة الحية للإنجيل العملي. فالطفل لا يستطيع أن يدرك أبوة الله دون تذوقه لدفء الحب الأبوي والأمومة الحانية. إن كان الغرب بوجه عام يطالب الآن بعودة احتضان الأم لأطفالها، الأمر الذي لا يستطيع المجتمع مهما قدم أن يعطيه، وبدونه يفقد الطفل الكثير مما قد يحطم شخصيته.. فإن الكنيسة القبطية تعلن هذا عمليًا بتسليم الأطفال في يدي الوالدين أثناء العماد ليتقبلوا مهما الروح الكنسي الحي.


2- اهتمام الكنيسة بالأطفال واضح جدًا خلال فهمها للكهنوت.. ففي الكنيسة القبطية الكاهن ليس موظفًا يمارس عمله حتى يبلغ سن المعاش، ولا هو مجرد واعظ أو مدرس أو باحث لاهوتي.. لكنه أولا وقبل كل شيء هو أب، يشعر بأبوته الطفل الصغير والشاب والرجل الناضج والشيخ الكهل.. أبوة حانية لا يقدر الزمن أن يحطمها. هذه الأبوة تعطي للطفل طمأنينة واكتفاء، خلالها يدرك أبوة الله وأمومة الكنيسة.
إن كان الشباب في العصر الحديث يتجه للإلحاد، فالسبب الرئيسي هو فقدان الكنيسة للأبوة والأمومة وانشغال رجال الدين بأي عمل إداري أو تنظيمي أو حتى وعظي دون تقديم روح الأبوة الحانية في الرب. لذا صارت الحاجة ماسة لعودة الكنيسة في العالم لتقديم هذا الروح للأطفال كما للكبار.


3- في الخدمات الليتورجية، خاصة القداس الإلهي، يشترك الأطفال مع الكبار في الكنيسة القبطية، دون عزلهم في مكان خاص بهم خارج صحن الكنيسة. هذا التصرف يربط الطفل بالعبادة الكنسية، ويشعره بتقدير الكنيسة له، وحقيقة عضويته فيها. فالكنيسة ليست تنظيمًا مجردًا وإنما هي أسرة تضم الكل بالحب في أقدس لحظات العبادة.


4- تمتاز الكنيسة القبطية بألحانها العذبة وطقسها المبهج الذي يسحب قلب الطفل، فلا يمل من العبادة.


5- في القديم كانت توجد مدرسة (كتاب) تلحق بالكنيسة، حتى حينما خيّر الأقباط بين غلق الكنائس أو المدارس (الكتاتيب) فضلوا البقاء علي المدارس حتى لا يفقد أبناؤهم الإيمان. حاليًا إذ ضاع هذا النظام لظروف خارجه عن إرادتها تهتم الكنيسة بالتربية الكنسية (مدارس الأحد) كعمل أساسي لها، حتى أقام المثلث الرحمات البابا كيرلس السادس أسقفًا خاصًا بها، حاليًا قداسة البابا شنودة الثالث.


6- يبرز تقدير الكنيسة للطفل وتكريمها له من اهتمامها بأعياد الكثير من الشهداء والقديسين الأطفال والصبيان، وطلب صلواتهم عنا، وبناء كنائس بأسمائهم، مثل عيد استشهاد أطفال بيت لحم، وعيد القديس قرياقوص الطفل وأمه يوليطة، والقديسة الأم دولاجي وأولادها، والقديسة رفقة وأولادها إلخ..

يروي لنا التاريخ الكنسي عن رُضّع لا يستطيعون الكلام عندما وقفت أمهاتهم أمام ولاة أو قضاة للمحاكمة من أجل اسم السيد المسيح انفتح لسان الطفل الرضيع ليوبخ الوالي أو القاضي شاهدًا للاهوت السيد المسيح وعمله الخلاصي بطريقة معجزية هؤلاء لم ينالوا البنوة خلال المعمودية وإنما صاروا أيضًا شهداء يحتلون المراكز الأولي في السماء عينها!

أخيرا يمكننا القول بأن حياة الكنيسة تتجلى بقوة في أطفالها وشبابها ليمارسوا حقهم في العضوية الكنسية خلال نعمة الله التي لا تعتمد علي سن معين أو مجرد خبرات أو قدرات بشرية.

القمص تادرس يعقوب ملطي