صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 30 من 35

الموضوع: كتاب العجب الذي هو شاول - بولس - أ. إيريس حبيب المص

  1. #21
    ..:: مشرفة سوبر ::. الصورة الرمزية بنت الملك
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المشاركات
    22,076
    معدل تقييم المستوى
    280

    افتراضي رد: كتاب العجب الذي هو شاول - بولس - أ. إيريس حبيب المص

    21- رحلة بولس إلى أورشليم

    + ومرّ أسبوع من الراحة على السفينة في تلك الأيام المنعشة من شهر أبريل، وفي اليوم الثالث منه رأى مرتفعات قبرص تتفتّح أمامه: قبرص موطن صديقه برنابا الذي ينعم بصحبة سيده. وتنهّد في قلبه، وهمس لنفسه: "أواه يا صديقي - كم أتمنى لو أني كنت أكثر صبرًا معك في ذلك اليوم في أنطاكية!"

    + وقضوا أسبوعًا في صور حيث أنذره الجميع بالخطر الذي يتهدده في أورشليم متوسلين إليه أن لا يذهب هناك. ولكنهم إذ واجهوا تصميمه سكتوا، وعند توديعهم إياه رافقوه إلى الشاطئ مستودعينه للمراحِم الإلهية.


    + ثم وصلوا إلى قيصرية مقّر الحكومة الرومانية التي تبعد مسيرة ثلاثة أيام عن أورشليم،ولما كان لا يزال أمامهم أربعة عشر يومًا ليوم الخماسين رأوا من الأوفق أن يقضوها بين أحبائهم. وكان بولس ضيفًا على فيلبس: رجل حسب قلبه، فلقد أقيم ضمن الشمامسة السبعة، وتجاسر على أن يكرز في السامرة، وتجاسر كذلك على صبغ الخصي الحبشي للملكة كنداكة بالمعمودية المقدسة. وبعد أن فارقه أخذ يتجوّل من بلدة إلى أخرى يكرز ويعلم دون تفرقة بين يهودي وأممي. فكانت هذه الأيام من نعمة الله على بولس وجد فيها الهدوء النفسي والاستجمام الروحي.

    + ومرّ أسبوع آخر. ووصل بولس إلى أورشليم. كان قد جاءها بتطلعات صباه ليتعلم فيها، وجاءها بعد اختباره الهزّة العنيفة التي اجتازها في الطريق إلى دمشق. وجاءها مع برنابا ليكسب حرية الكنيسة. واليوم جاءها للمرة الرابعة التي ثبت أنها الأخيرة. وكان ضيفًا على مَنَاسُونَ القبرصي (رَجُلٌ قُبْرُسِيٌّ). وبدأ بزيارة يعقوب الرسول وشيوخ الإخوة. وحدثهم بما صنع الرب مع الأمم فمجدوا الله على كل ما سمعوه. ولكنهم ما كادوا يعبّرون هن هذا التمجيد حتى "كبوا ميّه باردة على رأسه"! فقد قالوا لفورهم: "يجب أن تكون على حذر، فالناس هنا قلقون لسماعهم بأنك تنادي بعدم حتمية الناموس، وتساوي بين الأمميين وبيننا لذلك يجدر بك أن تُسكت الألسنة، فاعمل بنصيحتنا، هنا أربعة رجال عليهم نذر، فخذهم جهارًا إلى الهيكل وتطّهر معهم، وانفق عليهم ليحلقوا رؤوسهم، فيعلم الجميع أنك أنت أيضًا حافظ للناموس". فقبل مشورتهم لفوره وذلك على الرغم من أن قلبه كان يخفق نشوةً بانتصار ربه في كافة البقاع التي كرز فيها، ومن أنه اختبر مرارًا وتكرارًا قبول السيد المسيح للأمميين، وفرح هؤلاء الأمميين بالسيد المسيح!











  2. #22
    ..:: مشرفة سوبر ::. الصورة الرمزية بنت الملك
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المشاركات
    22,076
    معدل تقييم المستوى
    280

    افتراضي رد: كتاب العجب الذي هو شاول - بولس - أ. إيريس حبيب المص

    22- حماية كلوديوس ليسياس لبولس



    + وفي اليوم السابع ظفر به اليهود، فتدنيس الهيكل جريمة لا تغتفر إلى حد أن الرومان أنفسهم وقفوا على حذر من هذا الموضوع. وفي لحظة انتشر الخير بين الجمهور العنيف. وفي لحظة قبضوا على بولس وضربوه ورموا به من على سلالم الباب الجميل. وفي الحال أُغلقت الأبواب فالقتل ليس جريمة طالما تمّ خارج الهيكل!

    + ولكن وقته لم يكن قد حضر بعد، فالضباط الرومانيون متدربون تمامًا على التصرف في مثل هذه الاضطرابات. وقبل أن يستودع الرسول الباسل روحه بين يديّ الآب، رنّ في أذنيه الأمر الروماني القاطع. وتراكض الرجال المسلّحون، ورفعوه من على الأرض، ودفعوا بالمتجمهرين بعيدًا. وعلى الرغم من سرعتهم فقد انتزعوه من بين أيديهم انتزاعًا! ولولا ذلك الصف اللامع من الصلب المتراصّ فوق السلالم لتبعه خصومه إلى المعسكر.

    +
    وخلف هذا الصف اللامع وقف رئيسهم كلوديوس ليسياس، وتفرس في أسيره، كان مضروبًا بنزف الدم من جراحه، ومع ذلك كان هادئًا غير متزعزع! لقد قارب بولس الموت مرارًا فلم يعد يأبه له. وفي هدوئه ورسوخه سأل القائد: "هل من الممكن أن أتحدث معك؟" - "ماذا؟ أتعرف اليونانية! لقد ظننتك المصري (اليهودي) الذي أشعل الشغب السنة الماضية فطاردناه وأبعدناه عن هذه المدينة" - "كلا، فأنا يهودي من طرسوس، وأطلب إليك أن تأذن لي بمخاطبة الشعب".

    + يا للعجب! لقد كانوا منذ لحظات يضربونه ويرفضونه مستهدفين قتله، ولكنهم إخوته الذين يستهدف هو خلاصهم! وواضح أن كلوديوس ليسياس انذهل: فالرجل الشجاع سريع أن يتبيّن الرجل الشجاع، وهو في الوقت عينه مشتاق لأن يعرف ما ينتج عن حديثه. وهكذا أذن له.


    + "أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ وَالآبَاءُ، اسْمَعُوا احْتِجَاجِي الآنَ لَدَيْكُمْ"
    (
    سفر أعمال الرسل 22: 1) فلما سمعوا أنه ينادي باللغة العبرية أعطوا سكوتًا أحرى، فحدثهم كيف أنه كان مضطهدًا للمسيحيين، ولكن السيد المسيح ظهر له، فأدرك أنه هو المسيا المنتظر وحين بدأ كرازته بدأ بتعليم بني جنسه الذين لما رفضوا الاستماع إليه قال له الرب: "اذهب فإني سأرسلك إلى الأمم بعيدًا".

    + وفي لحظة عاد الهرج والصخب، ماذا؟ أيقف الأممي على مستوى اليهودي! واحتدم غيظهم فنادوا مطالبين بإنهاء حياته. وامتلأ كلوديوس ليسياس ضيقًا، ولكنه أحسّ بارتياح في أنه حفظ صف الصلب اللامع في مكانه.











  3. #23
    ..:: مشرفة سوبر ::. الصورة الرمزية بنت الملك
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المشاركات
    22,076
    معدل تقييم المستوى
    280

    افتراضي رد: كتاب العجب الذي هو شاول - بولس - أ. إيريس حبيب المص

    23-


    + وأخذه إلى المعسكر وأمر جنده بأن ينزعوا عنه ملابسه ويجلدوه ليعرف بالضبط ماذا حدث. وصمت بولس وهم يعرّونه ويربطونه في عامود الجلد، وبعدها سأل الضابط: "أَيَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَجْلِدُوا إِنْسَانًا رُومَانِيًّا غَيْرَ مَقْضِيٍّ عَلَيْهِ؟" (أع 22: 25). لقد كانت أهم مادة في التنظيمات الرومانية للشرطة هي الاحترام الواجب نحو الرجل الذي يقول في زهو: "أنا مواطن روماني!" واختشى ليسياس حين علم الحقيقة، وحمي بولس من التعذيب، ولكن لا بد له من معرفة الحقيقة، ففي اليوم التالي دعا السنهدريم وأوقف بولس أمامهم. وما هي إلا لحظات حتى أمر رئيس الكهنة أن يضربوه على فمه. فأفلت الزمام من يد بولس وقال في شيء من الحدة: "سَيَضْرِبُكَ اللهُ أَيُّهَا الْحَائِطُ الْمُبَيَّضُ! أَفَأَنْتَ جَالِسٌ تَحْكُمُ عَلَيَّ حَسَبَ النَّامُوسِ، وَأَنْتَ تَأْمُرُ بِضَرْبِي مُخَالِفًا لِلنَّامُوسِ؟!" (أع 23: 3).
    + وإذ علم
    بولس أن البعض فريسيون والبعض صدوقيون هتف: "أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، أَنَا فَرِّيسِيٌّ ابْنُ فَرِّيسِيٍّ. عَلَى رَجَاءِ قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ أَنَا أُحَاكَمُ" (أع 23: 6). وبهذه الكلمات شقّ الجمع، إذ انضم إليه الفريسيون مقاومين الصدوقيين. وللمرة الثانية اضطر كلوديوس ليسياس إلى أمر جنده بأن يخطفوه من وسط المجتمعين.













  4. #24
    ..:: مشرفة سوبر ::. الصورة الرمزية بنت الملك
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المشاركات
    22,076
    معدل تقييم المستوى
    280

    افتراضي رد: كتاب العجب الذي هو شاول - بولس - أ. إيريس حبيب المص

    24- الهدوء وسط الخطر


    + وإني لأرى بولس في زنزانته تلك الليلة: فموقفه خطير، ولم يحمِهِ من اليهود الساخطين عليه غير الأمير كلوديوس ليسياس وجنده. ومع ذلك نام في هدوء لأنه حين تصخب الأمواج على السطح يظل العمق هادئًا، وسر السلام في القلب المسيحي هو أن حياته الباطنية مختبئة في السيد المسيح.

    +
    وفي نومه وفي رؤى الليل وقف به السيد المسيح، وما دام ربه واقفًا معه فلا يهمه أن الناس ليسوا إلى جانبه. وقال له الرب: "ثِقْ يَا بُولُسُ! لأَنَّكَ كَمَا شَهِدْتَ بِمَا لِي فِي أُورُشَلِيمَ، هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَشْهَدَ فِي رُومِيَةَ أَيْضًا" (أع 23: 11) -وكلمة ثق في أصلها اليوناني معناها "افرح". ولقد تكرر استعمالها في مواضع مختلفة، فمثلًا قال الرب لتلاميذه "...ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ" (يو 16: 33)، بمعنى افرحوا- وبهذه الكلمات ملأ قلب بولس عزاءً وطمأنينة.

    + إذن فلنذكر باستمرار ذلك السر الباطني في
    حياة بولس: إنه الوعي المستمر بحضرة الرب إلى جانبه، إنه يعيش في هذه الحضرة بلا انقطاع. فخلف الجماهير الصاخبة، وفوق رؤوس الكهنة والحكام. كان يرى السيد المسيح دومًا، فانساب السلام إلى أعماقه كنهر: النهر الذي تُفرّح جداوله مدينة الله.











  5. #25
    ..:: مشرفة سوبر ::. الصورة الرمزية بنت الملك
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المشاركات
    22,076
    معدل تقييم المستوى
    280

    افتراضي رد: كتاب العجب الذي هو شاول - بولس - أ. إيريس حبيب المص

    25- ابن أخت بولس ينذره بالمؤامرة على قتله


    + وفي الصباح التالي بينما بولس لا يزال يعيش الرؤيا المفرحة التي أنعم عليه بها سيده إذا بأرجل مسرعة تقترب، وإذا بباب زنزانته ينفتح ليدخل إليه ابن أخته القاطنة في أورشليم ويخبره بمؤامرة مُدّبرة لقتله. وبتتبعنا لبولس نجد أنه لم يمكث إطلاقًا في بيت أخته في كل المرات التي جاءها إلى هذه العاصمة. فمن الممكن أن نستنتج بأن زوجها كان ضمن المعادين له. ولا بد إذن من أنه كان حاضرًا الاجتماع الليلة السابقة التي رتبوا فيها خطة الاغتيال. ولما عاد إلى بيته أبدى عدم رضاه على هذا التصرف الشائن. لأنه من الجائز أن يرضى زوج الأخت عن تصرفات أخيها ولكنه في الوقت عينه يشمئز من أن يراه مقتولًا غدرًا. وليس من شك في أنه حين سمعت أخت بولس الخبر عادت بها الذاكرة إلى أيام طفولتهما حين كانا يلعبان ويمرحان معًا. فامتلأ قلبها حنانًا وفي الفجر قامت مبكرة وبكل سكينة ودخلت على أطراف أصابعها غرفة نوم ابنها وأوصته بالذهاب حالًا إلى خاله لإنذاره.

    +
    ولفوره أرسل بولس ابن أخته إلى كلوديوس ليسيا المدرك تمامًا لمسئوليته عن حماية روماني ضد تهديدات اليهود. وبسرعة وخفية رتب بدوره الخطة لإنقاذ رسول الأمم. ففي دجى الليل نسمع وقع حوافر خمسمائة حصان يحملون فرسانهم إلى قيصرية: إلى الوالي فيلكس، وهذا بدوره وضع بولس في غرفة حرس هيرودس.











  6. #26
    ..:: مشرفة سوبر ::. الصورة الرمزية بنت الملك
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المشاركات
    22,076
    معدل تقييم المستوى
    280

    افتراضي رد: كتاب العجب الذي هو شاول - بولس - أ. إيريس حبيب المص

    26- السجن لبولس سنتين في قيصرية





    + وعلى مدى سنتين ظل بولس سجينًا في قيصرية. صحيح أن الرومان أحسنوا معاملته إذ قد أحسوا بانعطاف داخلي نحو هذا الرجل الجسور.
    فيلكس، مع الأمر بسجنه، أمر قائد المائة بأن يحرس بولس وتكون له رخصته ولا يمنع أحدًا من أصحابه أن يأتي إليه ويخدمه. وهكذا تمكّن فيلبس ورفقاؤه من أن يزوروه. كذلك جاءه تيموثيئوس وزملاؤه في الرحلة ليروه. وبالإضافة فقد جاء لوقا وأقام على مقربة منه ليسهر على صحته.

    + هذا كله صحيح. ولكن
    بولس لم يستطع خلال هاتين السنتين من أن يؤدي العمل الذي اشتعلت به نفسه: إنه لم يُكرز ولم يكتسب نفسًا واحدة لربه. وهنا نقف قليلًا للتأمل لقد صارع صراع الجبابرة ليحرر المسيحية من ربقة الناموس؛ ونادى حيثما ذهب بحرية مجد أولاد الله الذين تجمعهم محبة السيد المسيح حيث لا يهودي ولا يوناني. بل إنه اختبر هذه الحقيقة عيانًا. فما الذي جعله يقبل مشورة المتهوّدين ويذهب ليتطهر مع الرجال الأربعة الذين عليهم نذر؟ ترى، لو لم يكن قد فعل هذا أكان يصيبه الأذى الذي أصابه؟ لا نعرف على وجه التحقيق. ولكن الله أعطانا عبرة في كيفية تعامله مع موسى، فقد أطاع موسى كل ما أوصاه به الله. ومرة واحدة فقط لم ينفّذ الأمر الإلهي بالضبط بل ضرب الصخرة بدلًا من أن يكلمها. فعاقبه الله بأنه لن يرى أرض الموعد (عدد 20: 7-13). ورب المجد أعلن بأن من يودعونه كثيرًا يطالبونه بأكثر ومن هذا المنطلق نستطيع القول بأن بولس عوقب هذا العقاب الصارم نتيجة لهذه المرة الوحيدة التي حاد فيها عن العمل بموجب "حرية مجد أولاد الله" التي نادى بها وصارع من أجلها، بل ولم يتردد عن أن يقاوم بطرس مواجهة. صحيح أن الفادي الحبيب حفظه من الموت لكي يوصل الكرازة باسمه في رومية تطبيقًا لقول الوحي الإلهي: "تَأْدِيبًا أَدَّبَنِي الرَّبُّ، وَإِلَى الْمَوْتِ لَمْ يُسْلِمْنِي"(مز 118: 18) وهو المزمور الثاني من مزامير صلاة الغروب في الأجبية. بل إنه هو نفسه أكد هذا الواقع بقوله: "مُضْطَهَدِينَ، لكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ. مَطْرُوحِينَ، لكِنْ غَيْرَ هَالِكِينَ"(2كو 4: 9)، ويعود فيردده: "كَمُؤَدَّبِينَ وَنَحْنُ غَيْرُ مَقْتُولِينَ،" (2كو 6: 9).












  7. #27
    ..:: مشرفة سوبر ::. الصورة الرمزية بنت الملك
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المشاركات
    22,076
    معدل تقييم المستوى
    280

    افتراضي رد: كتاب العجب الذي هو شاول - بولس - أ. إيريس حبيب المص

    27- محاكمة بولس أمام فيلكس


    + ويعطينا القديس لوقا أربع صور طريفة عن هذه الأيام في قيصرية
    الصورة الأولى:

    + الأولى تحملنا إلى قاعة المحاكمة في قصر الوالي، وقد جلس فِيلكس على كرسي الولاية، وجاء حنانيا مع المشتكين واستحضر معه خطيبًا اسمه ترتلّوس ليرفع الشكوى ضد الرجل الذي دعاه "الحائط المبيضّ". وفي هذه المرة تصالح الفريسيون مع الصدوقيين متكتلين ضد بولس. وكانت كلمة ترتلوس كلها رياء ومداهنة للوالي الذي أبغضه اليهود أكثر من أي والٍ آخر لبطشه بهم وقتله رئيسًا من كهنتهم ثم انتقل إلى اتهام رسول الأمم بأنه مفسد ومهيّج فتنة ومقدام شيعة الناصريين وقد شرع في أن ينّجس الهيكل وكانوا سيحكمون عليه وفقًا لناموسهم لولا أن كلوديوس ليسياس انتزعه بعنف من أيديهم.

    + ولكن
    فِيلكس يعرف الكثير عن هؤلاء "السادة المحترمين"، فيريد أن يسمع المشتكي عليه. ويقف الأسير ويداه مُكبلتان بالسلاسل، ولفوره يستحوذ على انتباه رجال البلاط. قال: "أني إذ قد علمت أنك منذ سنين قاض لهذه الأمة أحتجُ عما في أمري بأكثر سرور. وأنت قادر أن تعرف أنه ليس لي أكثر من أثنى عشر يومًا منذ صعدت لأسجد في أورشليم ولا يستطيعون أن يثبتوا ما يشتكون به عليّ الآن ولكنني أقرُ لك بهذا أنني حسب الطريق الذي يقولون له شيعة هكذا أعبد إله آبائي مؤمنًا بكل ما هو مكتوب في الناموس والأنبياء، ليقل هؤلاء أنفسهم ماذا وجدوا فيّ من الذنب وأنا قائم أمام المجمع..".

    + وليس من شك في أن هناك قوة مقنعة في موقف إنسان صادق وسط مرائين مُدعين. وليس من شك أيضًا في أن
    فِيلكس أحسّ بهذه القوة على الرغم من أنه لم يكن مستقيمًا. فأجّل الحكم ليستطلع كلوديوس ليسياس.

    الصورة الثانية:


    +
    والصورة الثانية غريبة وغير متوقعة، فلقد جئ ببولس ثانية أمام فِيلكس، وللمرة الثانية نرى أن الرسول الباسل هو الشخص المسيطر على الرغم من السلاسل المقيدة له. وهذه الوقفة ليست في قاعة محاكمة بل في صالون استقبال! وقد دعاه فِيلكس وعروسه الشابة دروسيللا ليسمعاه. عن أي موضوع؟ عن الإيمان بيسوع المسيح الذي وقع بولس في الأسر بسببه!


    + ياللعجب! وليس من شك في أن بولس نفسه تعجّب للطلب قدر تعجّبنا نحن. ترى، هل كانت دروسيللا هي الحافز؟ إنها يهودية. وهي ابنة هيرودس الذي اضطهد الكنيسة وقتل القديس يعقوب. ولكن بولس لم يُشر إلى هذا الواقع بكلمة لأن الله وحده يعرف ما في قلبها ويعرف السبب الذي دفعها إلى الرغبة في أن تسمعه. وهو في الوقت عينه لا يفكر في إمكانية نجاته لأن رسالته العظمى هي شاغله الشاغل.


    + واستحوذ بولس على انتباههما. ولسنا ندري ما جال في أعماق دروسيللا ولكن فِيلكس ارتعد وهو يصغي إليه وهو يتكلم عن البر والتعقّل والدينونة، فقد أمسك ضميره بخناقة، لأن تاريخه فائض بالجريمة والخيانة وهتك الأعراض. والضمير هو صوت الله الحنون ينادي إلى التوبة. وبدا في لحظة ما كأنه يريد أن يتوب، ولكنه -كغيره كثيرين- لا يريد أن يتوب لفوره، فقال لبولس: "اذهب الآن ومتى حصلت على وقت أستدعيك".

    + آه! متى حصلت على وقت! وياللأسف أننا كثيرًا ما نقف هذا الموقف. ولكن علينا أن نتيقن بأننا في كل مرة نلتقي بالسيد المسيح ونؤجل "لوقت مناسب" نباعد بيننا وبين إمكانية التلاقي. لأن كل تأجيل مثل هذا يلقى بغشاوة على العين الباطنة ويزيد القلب قساوة.

    + وأواه لك يا
    فِيلكس! فذلك الوقت المناسب لن يتيسّر لك. ففي شهور قليلة ستُلقى بعيدًا عن وظيفتك الكبيرة وتتلاشى من التاريخ نهائيًا. وهذه العروس سيبتلعها بركان فيزوفيوس في ثوراته هي وابنها ليلة أن ابتلع مدينة بومبي بأكملها(1). كم كان يكون لخيركما لو أنكما أطعتما بولس ذلك اليوم وهو يحدثكما عن البر والتعقل والدينونة ويخبركما عن معنى الإيمان بالسيد المسيح.


    + ولكن قبل أن نلومهما علينا أن نفحص أنفسنا بدقة لنعرف أين نقف بالضبط من رب المجد؟

    الصورة الثالثة:
    + أما الصورة الثالثة فبعد سنة من الثانية، فقد رفع
    اليهود شكواهم إلى قيصر ضد فِيلكس، فاستدعاه إلى رومية لمحاكمته، ورغم أنه في الإمكان استرضاء مشتكيه بتركه بولس في السجن. ويقول لنا الكتاب أنه كان يأمل في أن يعطيه أسيره رشوة ليفرج عنه.


    + وجاء فستوس واليًا، وزعم اليهود أن في إمكانهم خداعه. فعاودوا طلبهم بإرسال بولس إلى أورشليم ولكن فستوس ليس بالبساطة التي توهموها. فأجابهم: "كلا فبولس يبقى هنا وأنتم تأتون بشكايتكم إلى قيصرية". وهكذا اجتمعوا ثانية في قاعة المحاكمة بقصر الولاية، ولكنهم لم يستطيعوا إثبات شيء بل إنهم أرهقوا الوالي بصخبهم وكثرة كلامهم. وفي ملله التفت إلى بولس وسأله: "أتريد أن تذهب إلى أورشليم؟".


    + على أن الرسول الباسل كان قد سئم التسويف والمماطلة وإذ وجد أن فستوس بدأ يتراخى اتخذ قراره الحاسم بأن استعان بحقه كمواطن روماني، فقال: "أَنَا وَاقِفٌ لَدَى كُرْسِيِّ وِلاَيَةِ قَيْصَرَ حَيْثُ يَنْبَغِي أَنْ أُحَاكَمَ. أَنَا لَمْ أَظْلِمِ الْيَهُودَ بِشَيْءٍ، كَمَا تَعْلَمُ أَنْتَ أَيْضًا جَيِّدًا.11 لأَنِّي إِنْ كُنْتُ آثِمًا، أَوْ صَنَعْتُ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ، فَلَسْتُ أَسْتَعْفِي مِنَ الْمَوْتِ. وَلكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا يَشْتَكِي عَلَيَّ بِهِ هؤُلاَءِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسَلِّمَنِي لَهُمْ. إِلَى قَيْصَرَ أَنَا رَافِعٌ دَعْوَايَ!".
    ومتى أعلن روماني في أي بلد من بلاد الإمبراطورية المترامية عن رغبته في الاحتكام إلى قيصر لا يستطيع أمير أو والٍ أن ينكر عليه هذا الحق. لذلك يقول لنا الكتاب إن فستوس بعد ما تكلم مع أرباب المشورة، قال له: "إِلَى قَيْصَرَ رَفَعْتَ دَعْوَاكَ. إِلَى قَيْصَرَ تَذْهَبُ!".
    (أع 25: 1-12).

    + وهكذا انتهت القضية مؤقتًا واضطر
    اليهود أن يعودوا خائبين، وقد أفحمتهم مهارة بولس. وهو رأى كيف ستتحقق كلمة الرب بأنه سيشهد له في رومية. وذهل أمام الوسيلة التي اتخذها هذا الرب العجيب لتوصيله إلى عاصمة الدولة. فما أقصر إدراكنا عن أن يتفهم كيفية استجابة الله لصلواتنا! ففي تدبير الله سيذهب إلى المدينة التي كان متلهّفًا على أن يصل إليها ولكنه سيذهب أسيرًا مقيدًا بالسلاسل!


    + ترى، هل امتلأت نفس بولس خيبة؟ إن الوحي الإلهي لا يقول ذلك. وليس من شك في أنه باختباراته العديدة مع ذاك الذي تصيده على الطريق إلى دمشق، استشف أن هذه الوسيلة قد وجدها الرب أفضل وسيلة لتوصيله إلى رومية. ونحن الآن نستمتع بالكنوز الفائقة التي نتجت عن السجن هناك. فقد كتب غالبية رسائله منها. وهو قد أعلن أنه "سفير في سلاسل" لأن كلمة الله لا تقيد. فمن الصالح أن نرفع كل طلباتنا إلى الله بالصلاة: الطلبات التافهة والخطيرة سواء بسواء ولكن من الأكثر صلاحًا أن نترك الإجابة بين يديه. ومن عجب أننا نسمع من بولس رنة الفرح وهو يعلن من هذا السجن للفيليبيين: "ثُمَّ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنَّ أُمُورِي قَدْ آلَتْ أَكْثَرَ إِلَى تَقَدُّمِ الإِنْجِيلِ، حَتَّى إِنَّ وُثُقِي صَارَتْ ظَاهِرَةً فِي الْمَسِيحِ فِي كُلِّ دَارِ الْوِلاَيَةِ وَفِي بَاقِي الأَمَاكِنِ أَجْمَعَ"( فيلبي 1: 12، 13). ويختتم هذه الرسالة بعينها بقوله: "يُسلم عليكم جميع القديسين ولا سيما الذين من بيت قيصر". فكم هو جدير أن نذكِّر أنفسنا بما أنجزه الله على يد ذاك الذي كان مضطهدًا للكنيسة حين استجاب صلاته بأن أرسله "سفيرًا في سلاسل".

    الصورة الرابعة:

    + والصورة الرابعة
    تعطينا دفعة روحية عجيبة، نرى فيها الأسير المقيد الذي قاسى السجن لمدة سنتين يسيطر على أصحاب السلطان الذين في إمكانهم أن يقضوا على حياته! فقد حضر الملك أغريباس ومعه برنيكي ليقدما تهانيهما إلى فستوس، حضرا إلى القصر الذي كانت أختهما دروسيللا سيدته منذ شهور قليلة، وخلال أحاديثهم ذكر الوالي موضوع بولس وأنه ينادي بيسوع الذي مات وهو يؤكد أنه حي.


    + وكان أغريباس يهوديًا، وهو آخر ملوك أسرة هيرودس. كان جده الأكبر الذي قتل أطفال بيت لحم؛ وعمه هيرودس الذي سجن يوحنا المعمدان ثم قطع رأسه؛ وهو أيضًا الذي أرسل يسوع المسيح إلى بيلاطس بعد أن ألبسه ثوبًا أرجوانيًا؛ بينما كان أبوه هو الذي قتل يعقوب الرسول، وكان في نيته أن يقتل بطرس الرسول أيضًا لولا إنقاذ الملاك له.
    إذن فقد كان أغريباس على علم بيسوع الناصري الذي ينادي به بولس لذلك أعلن عن رغبته في أن يسمعه.

    + ففي اليوم التالي جاء أغريباس وبرنيكي بأبهة عظيمة تصحبهما حاشيتهما مع رؤساء الجند ووجوه المدينة. وبأمر من فستوس جيء ببولس. ووقف هنا الأسير والسلاسل في يديه وقلبه متهلل. كان يعلم أن هذه المحاكمة لا قيمة لها إطلاقًا ما دام أنه رفع دعواه إلى قيصر. ولكن، أليست فرصة مواتية ليتحدث فيها عن فاديه العجيب؟


    + وتحدث باشتعاله المعهود، ثم أعلن كيف أن المسيا في مجده ظهر له من السماء؛ وكيف أرسله ليحمل الكرازة العظمى لكي يفتح أعين الناس، وينقلهم من الظلمة إلى النور، ومن ربقة الشيطان إلى الحرية التي حررنا بها المسيح. ثم أضاف: "وأنا هنا أقف، وسأقف مدى حياتي شاهدًا للصغير والكبير بما تنبأ به موسى وجميع الأنبياء أن السيد المسيح يجب أن يتألم، وأنه بقيامته من الأموات يعلن النور للجميع: لليهود وللأمميين".


    + ووسط اشتعاله الملتهب قاطعه فستوس: "أنت تهذي يا بولس، الكتب الكثيرة تحوّلك إلى الهذيان". أجابه: "لست أهذي أيها العزيز فستوس بل أنطق بكلمات الصدق والصحو. لأنه من جهة هذه الأمور عالم الملك الذي أكلمه جهارًا إذ أنا لست أًصدّق أن يخفي عليه شيء من ذلك. لأن هذا لم يُفعل في زاوية. أتؤمن أيها الملك أغريباس بالأنبياء؟ أنا أعلم أنك تؤمن". فقال أغريباسلبولس: "بقليل تقنعني أن أصير مسيحيًا". وهنا نتعجب من رد بولس الفوري الصادر عن أعماقه: "كُنْتُ أُصَلِّي إِلَى اللهِ أَنَّهُ بِقَلِيل وَبِكَثِيرٍ، لَيْسَ أَنْتَ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا جَمِيعُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَنِي الْيَوْمَ، يَصِيرُونَ هكَذَا كَمَا أَنَا، مَا خَلاَ هذِهِ الْقُيُودَ" (أعمال 25: 13-27) و (إصحاح 26 كامل).


    + وإلى هنا لم يحتمل السامعون أن تزاد لهم كلمة. لقد تراجعوا هم أيضًا كما تراجع
    فِيلكس ودروسيللا من قبل. ويا لبؤس هؤلاء المتراجعين! فالسيد المسيح واقف يقرع على باب كل قلب. وكأنه يستعطف خليقته أن تفتح له! ومع ذلك فكم هم الذين يلبّون النداء ويسارعون إلى فتح قلوبهم له؟ وهذا الجفاء القلبي هو الذي جعل العلامة المصري الكبير أوريجانوس ينصحنا بقوله: "صلوا لكي يفتح الله نوافذ قلوبكم لتدخل منها النعمة الإلهية".


    + ومع كونهم لم يؤمنوا إلا أن
    بولس هزّهم هّزة عنيفة. فقد كان يعرف الفرح والسلام والرجاء في أعماق قلبه، هذه التي يحتاج إليها العالم هنا وفي الدهر الآتي. كان يعرف أن للحياة معنى أعمق وأنبل لم يخطر قط على قلوب هؤلاء السادة فلا غرابة إذن أنهم اهتزّوا على الرغم منهم. ولا غرابة أيضًا بأنهم حين خرجوا كانت ضمائرهم تهمس: "هذا المتعصّب هو على الأقل رجل حقيقي" كذلك لا غرابة في أن أغريباس قال لفستوس: "كان يمكن إطلاق سراحه اليوم لولا أنه رفع دعواه إلى قيصر".


    + وعاد بولس إلى سجنه ليستعد للسفر بينما ذهب فِيلكس إلى مكتبه وكتب تقريره عن هذا الأسير العجيب وليس من شك في أن روح التقرير كان تعاطفًا معه مما أدّى إلى تبرئة بولس في محاكمته الأولى أمام نيرون.











  8. #28
    ..:: مشرفة سوبر ::. الصورة الرمزية بنت الملك
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المشاركات
    22,076
    معدل تقييم المستوى
    280

    افتراضي رد: كتاب العجب الذي هو شاول - بولس - أ. إيريس حبيب المص

    28- الرحلة البحرية الرهيبة لبولس


    + ووصلت الأيام إلى سنة 60 م. حين سطعت الشمس على دروع الجنود الرومانيين وخوذهم في صباح يوم من سبتمبر وهم متراصّون في الميناء. وكانت الفرقة المكلّفة بالحراسة هي "فرقة أغسطس قيصر"، وقد أحاط أفرادها بالمساجين المقيَّدين بالسلاسل ومن بينهم بولس. وكان قائد المائة اسمه يوليوس وهو متعاطف للغاية مع بولس. فقد توثقت بينهما الصداقة خلال السنتين اللتين قضاهما "عبد يسوع المسيح" في السجن في قيصرية. ترى، أكان مجرد تعاطف أم رسالة السيد المسيح قد اخترقت قلب ذلك القائد الروماني؟


    + وأركبهم هذا القائد سفينة أدراميتينية. وكان
    بولس متلّهفًا على دخول العاصمة الكبرى متلهفًا على توصيل معلمه وربه إلى قلب الإمبراطورية. وهو في طريقه الآن للوقوف أمام قيصر وجهًا لوجه. صحيح أن هذه المقابلة قد تؤدي به إلى الموت ولكن الموت له كان طريقًا يوصله إلى حياة كلها بهاء وبهجة. ثم إنه لم يكن وحده. فقد رافقه لوقا الطبيب المحبوب وأرسترخس المكدوني. كذلك نعرف من رسالته إلى أهل رومية أنه كان له أحباء كثيرون في تلك المدينة. وبكل هذه الصداقات والآمال، وبوعيه بحضرة الله، وبالثقة الهادئة التي كان ينظر بها إلى الموت، كان للعالم سلطان هزيل جدًا عليه، سلطان يتراجع أمام المساندة الإلهية التي تغمره.

    + وفي اليوم التالي أرسوا في صيداء، وهنا ندرك مدى تعاطف القائد يوليوس إذ قد أذن
    لبولس أن يذهب بمفرده إلى أصدقائه وهو غير مقيَّد بالسلاسل ليتعزّى قلبه بعنايتهم، وحينما وصلوا إلى ميراليكيا وجد قائد المائة سفينة إسكندرية مسافرة إلى إيطاليا فنقل إليها أسراه. وكانت السفينة تحمل القمح إلى رومية وجدير بنا أن نذكر أن مصر ظلّت تورّد القمح إلى العاصمة الرومانية أولًا ثم إليها وإلى العاصمة البيزنطية. فهي كانت تعطي باستمرار وهي لم تعط القمح فقط بل أعطت العلوم والآداب والفنون ثم في ملء الزمان أعطت المسيحية أيضًا.

    + على أن الريح كان عاصفًا فسارت السفينة رويدًا رويدًا وبمحاذاة الشاطئ إلى أن بلغوا "المواني الحسنة". واقترح البعض البقاء فيها ريثما ينتهي موسم الخطر ولكن ربان السفينة زعم أنه يستطيع الوصول إلى فينكس ليشتّوا فيها. فرفعوا المرساة وطفقوا يتجاوزون كريت، وإذ بريح زوبعية يُقال لها أوروكليدون قد هاجت. فقضوا أيامًا من الهلع ما بين العاصف والظلام حتى لقد سجّل لوقا أنه "انْتُزِعَ كُلُّ رَجَاءٍ فِي نَجَاتِنَا" (
    أع 27: 20) إلى درجة أنهم ظلوا ثلاثة أيام لا يأكلون ولا يشربون".











  9. #29
    ..:: مشرفة سوبر ::. الصورة الرمزية بنت الملك
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المشاركات
    22,076
    معدل تقييم المستوى
    280

    افتراضي رد: كتاب العجب الذي هو شاول - بولس - أ. إيريس حبيب المص

    29- الهدوء والثقة بين المفازع


    ووسط هذا كله وقف رجل واحد هادئًا واثقًا. لم يكن مجرد شجاع، فهناك الكثير من الشجعان الذين يستطيعون مواجهة الموت بثبات. ولكن الهدوء والثقة غير الشجاعة. ولكي يكون الإنسان هادئًا واثقًا وسط المفازِع لابد من الله. لابد من الوعي بحضرة الله محب البشر وهذا الوعي هو الذي منح
    بولس الأعصاب الثابتة واليد الأكيدة والقلب الذي يخفق باتزان.

    + فقد واجه العواصف البحرية ثلاث مرات من قبل، وقضى يومًا وليلة تتقاذفه الأمواج وهو ممسك بلوح خشبي. لقد وقف أمام جموع صاخبة وذاق الجلد والرجم. ويبدو الآن أنه يواجه موتًا محققًا. ومع ذلك هادئ فهو واثق والحياة قد فقدت كل ما فيها من فزع لذلك الكارز الباسل المتيقّن من حضرة فاديه في داخله.

    + ولنتمعّن هذا الأسير وهو وسط العاصفة، وبين قوم تملكهم الذعر بما فيهم البحّارة أنفسهم. فهو مع هذا كله قد وجد وقتًا للصلاة! وقتًا يتناجى فيه مع ربه الذي أعطاه الأمان والطمأنينة. ولنتمعّن هذه الصورة:
    بولس واقفًا وسط هذا الجمع اليائس المضطرب يقول لهم: "ثقوا وافرحوا" وهذه هي الكلمات التي رددها لنا فادينا الحبيب مرارًا وتكرارًا فليس كل مسيحي مدعّوًا إلى الكرازة ولكن كل مسيحي -وبلا استثناء- مدعو لتشجيع الآخرين: مدعو من الفادي الحبيب إلى إدخال الطمأنينة والعزاء على القلوب القلقة.

    + ثم لنتمعّن فورية الاستجابة عند أولئك الذين قوّاهم. فمن المعروف أن البحارة، في وقت الخطر، هم أكثر الناس استعدادًا لأن يؤمنوا بالتدخل الذي يأتيهم من العالم غير المنظور. وهم يدركون أن هذا الرجل على صلة بالله. لذلك يأكلون ويشربون وتهدأ أعصابهم.












  10. #30
    ..:: مشرفة سوبر ::. الصورة الرمزية بنت الملك
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المشاركات
    22,076
    معدل تقييم المستوى
    280

    افتراضي رد: كتاب العجب الذي هو شاول - بولس - أ. إيريس حبيب المص

    31- كرازة بولس في جزيرة مالطة


    + وهؤلاء الرجال الذين نجوا من السفينة التي كسرّتها الأمواج وجدوا أنهم وصلوا إلى جزيرة - هي جزيرة مالطة. وليس من شك في أنهم وصلوها عند الخليج المسمَّى الآن "خليج القديس بولس". فأبدى "البرابرة" إحسانًا غير المعتاد، وتجاوبًا مع هذا الإحسان شفى بولس مرضاهم وعلمهم إنجيل الأمل البهيج. وفي إمكاننا أن نتصور ما غمر قلوبهم من فرحة وسلام.

    + ولقد قضوا ثلاث شهور بتلك الجزيرة انتظارًا لسفينة تحملهم إلى إيطاليا، وبذلك انتهى الشتاء وهم فيها: وبعدها أقلّتهم سفينة إسكندرية أيضًا، ووصلت بهم إلى ميناء الجميل - ميناء بوطيولي Puteoli. وقد دخلت الميناء مرفوعة الشراع، وكأنها في شيء من الاعتزاز لأن هذا الشراع المرفوع كان ميزة للسفن الإسكندرية الحاملة للقمح. أليست حاملة للغذاء الأساسي اللازم للجسد؟ وهذه المرة كانت تحمل -على غير علم منهم- خبز الحياة الأبدية.
    ويا لعجب عمل الله الخفي! فقد شاء أن السفينة الحاملة للقمح تحمل أيضًا الكاروز الحامل لبشرى الفداء! ومن عجبه أيضًا أن هذه السفينة تأتي إليهم من عاصمة مارمرقس الكارز العظيم الذي هو أيضًا نادى بكلمة الخلاص في مختلف البلاد، والذي شهد له بولس نفسه قائلًا أن " مَرْقُسَ ... نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَةِ " (2 تيموثيئوس 4: 11). وهذه شهادة ذات قيمة مزدوجة: إنها تأتي من خادم أمين يعرف قيمة الخدمة؛ وهي تأتي من بولس الذي رفض مشورة برنابا باستصحاب مرقس بعد أن انفض المجمع الرسولي الأول (أعمال 15: 36-41). وهكذا نرى طيف مصر في هذه اللحظة من تحركات رسول الأمم إلى عاصمة الأمم.

    + ووقف
    بولس على ظهر هذه السفينة الإسكندرية وتأمل جمال المنظر أمامه: منظر الحدائق البديعة تتخللها فيلات أنيقة. ولكن يالبؤس الإنسان! فهذا الجمال وهذه الأناقة يعيش فيها قوم بلغوا قاع الهاوية من الشر: وفي إحداها يعيش الحاكم المطلق الذي يعتبره رعاياه إلهًا! وهذا الإله قد قتل أمه قبل ذلك بسنة. وفي هذه السنة قطع رأس زوجته الشابة وأرسلها هدية إلى خليلته! فما كان أحوج هذا المجتمع الروماني حاجة ماسة إلى السيد المسيح، ولم يكن أحد من الرسل قد وصل حتى تلك الساعة إلى العاصمة الرومانية الفائضة بالفجور والفساد.

    + وسار يوليوس بجنوده وأسراه من شارع إلى آخر، ومن زقاق إلى زقاق. وأخيرًا وصلوا إلى مقر "الحرس البرتيوري"
    . ولقد أبدى عناية فائقة ببولس إلى النهاية إذ أوصى به خيرًا لقائد هذا الحرس. ونتيجة لتوصيته لم يُطرح بولس في زنزانة مزعجة بل سمحوا له بأن يستأجر بيتًا يعيش فيه، كما سمحوا لمن يريد زيارته والسؤال عنه أن يأتي إليه. ولكنهم قيّدوا يديه بالسلاسل ووضعوا جنديًا إلى جانبه لحراسته. وعلى الرغم من هذا فقد استطاع أن يشعر بالراحة والهدوء.











صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 23-07-2017, 10:55 AM
  2. ليس العيب أن.؟!ولكن العيب أن.؟
    بواسطة بنت الملك في المنتدى المنتدى المسيحي العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04-12-2016, 08:09 AM
  3. الشهيدة إيريس
    بواسطة بنت الملك في المنتدى منتدى سير القديسين
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 22-09-2016, 01:01 AM
  4. كتاب القديسان الشهيدان سرجيوس وواخس - الشماس يوسف حبيب
    بواسطة بنت الملك في المنتدى المنتدى المسيحي العام
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 19-07-2014, 07:47 AM
  5. من كتاب : قصة الكنيسة القبطية / د. ايريس حبيب المصري .
    بواسطة بنت الملك في المنتدى † السنكســــــــار †
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07-07-2014, 11:56 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •