عزيزتي الأم مريم،
ما هي المحبّة الحقيقيّةُ، أهي معرفةُ خطأ الآخر وقبولُهُ على خطئه أم عدمُ رؤيةِ أخطاءِ الآخر؟
شكرًا لكِ... (م.).


يا بنيّتي اسمعي...
وحدَها المحبّةُ النّابعةُ من جوفِ الله،
بالابنِ الإلهِ الكلمةِ يسوعَ المسيح، هي ما تسألين عنه وما يُسمّى:
"المحبّةُ الحقيقيّةُ" أو الأصحّ، هي "المحبّةُ الحقُّ"،
النّابعةُ من جوفِ الإلهِ الحقِّ، بوصاياه الّتي نطقَ بها في تعاليمِهِ بين النّاسِ ورقَّمها تلاميذُهُ،
لحفظِها خاصةً للإلهِ وللّذين إن سألتهم ما اسمُهم قالوا لكِ:
أنا مسيحيٌّ، مؤمنٌ بالثّالوثِ إلهًا واحدًا في ثلاثةِ أقانيمَ...

هذه هي المعرفةُ الحقُّ يا ماريّا ومنها وعنها تندرجُ كلُّ معارفِ الأرضِ
للّذين اختيروا أن يكونوا شهودَ حقٍّ للإلهِ...

تطرحين سؤالَكِ يا بنيّةُ بشكلٍ عكسيٍّ...
المحبّةُ الحقُّ أو المحبّةُ الحقيقيّةُ الّتي تسألين عنها هي في معرفةِ الإنسانِ،
أي الإنسانِ المسيحيِّ، بأنّه هو أوّلُ الخطأةِ
الّذين قالَ عنهم الرّسولُ بولسُ إنّ المسيحَ أتى إلى العالمِ متجسِّدًا
لندركَ أنّنا نحن أوَّلُ الخطأةِ
وبإقرارِنا بتوبتِنا هذه، نعرفُ أنّ المسيحَ هو المخلّصُ، وأنّه أتى ليخلّصَني، أنا، أوّلَ الخطأة
الّذي أنكرَهُ مستبدلاً عنه، إدانةَ الآخرِ ورؤيةَ الخشبةَ في عينِهِ قبل محاولتِهِ سحبَ القشّةِ وذرَّ الغبارِ من عينِ أخيه...

وأسألُكِ أنا يا بنيّةُ...
لماذا نزعَ الإنسانُ إلى إدانةِ أخيه قبلَ إدانةِ نفسِهِ؟!...

أتتذكّرين مثلَ الفرّيسيّ والعشّارِ يا ماريّا؟!...

لكِ أن تختاري ما تريدين ومن تريدين!!...
الإلهُ خلقَنا كلَّنا من حرّيتِهِ أحرارًا ليملِّكَنا الملكوتَ...
والملكوتُ هو أن نختارَ الحبَّ بدءًا ناموسًا ونبراسًا لنا، لا الإدانةَ الّتي هي حصيلةُ السّقوطِ...

الوصيّةُ الأولى هي أن نختارَ حبَّ الله من كلِّ القدرةِ والنّفسِ والجسدِ والفكرِ والقلبِ والرّوحِ ومحبّةَ الآخرِ "كالذّاتِ"،
يعني كما تحبّين نفسَكِ وترتجينَ الخيرَ لها،
يدخلُ الآخرُ حياةً جديدةً في حياتِنا أو لحياتِنا...
بهذا يصيرُ لوجودِنا معنى...
بحبِّ الآخرِ الّذي هو أخي... بل هو حياتي...
(القدّيس سلوان الآثوسيّ)...
هذا المعنى يأتينا من حبِّ المسيحِ بدءًا، ثمّ من حبِّ الآخرِ، ثمّ من ولحبِّ ذواتِنا...
والذّاتُ الحقيقيّةُ تبعًا، يا ماريّا، هي ذاتُ الله ومعرفتُه في الآخرِ...
أي محبّةُ الإلهِ ومحبّةُ الأخِ تولِّدُ محبّتي ومعرفتي لذاتي...
"ربّي ارحمني أنا الخاطئ"...
هذه كانت صرخةَ العشّارِ أم الفرّيسيّ؟!.
سؤالُكِ يا بنيّةُ، جوابُه أيشملُ الحبَّ، محبّةَ الآخرِ، أم النّظرَ إليه لانتقادِهِ؟!...
خطأُه هو ومحبّتُهُ في خطيئتِهِ وكأنّكِ تتنازلين من علياءِ برِّكِ لإدانتِهِ...
والأسوأُ أنّكِ أو الأنسانُ الّذي يتصرّفُ هكذا صيّرَ نفسَهُ إلهًا
وأقامَ نفسَهُ حَكَمًا وقاضيًا ليحكمَ حولَ ما في الآخرِ من حسناتٍ وسيّئاتٍ وعدمِ الرّجوعِ إلى نفسِهِ العميقةِ،
إلى قلبِهِ، إلى نواياه، إلى حقيقتِهِ هو، إلى قصورِهِ في قبولِ يسوعَ للعيشِ على صليبِهِ!!...
إنّ معرفةَ خطايانا نحن هي نعمةٌ من لدنِ الله،
معطاةٌ فقط للّذين يحبّون الرّبَّ بدءًا أو الآخرَ تاليًا،
ثمّ وإذ يصلون إلى أنفسِهم يقولون، وأنا؟!..

بهذا الضّياعِ في لقيا الذّاتِ، يلقى الإنسانُ ذاتَهُ في وصايا حبِّ الإلهِ لنا على الصّليبِ
الّذي هو علمُ الاتّضاعِ الإلهيِّ...
والحياةُ الحقُّ في المسيحِ لتعلّمِ الاتّضاعَ
أو جمعِ حبِّ الإلهِ والآخرِ لنحيا...

"إن عشتُ فللرّبِّ أحيا... وإن متُّ فللرّبِّ أموتُ... إن عشتُ وإن متُّ فأنا للرّبِّ"...

فيا ربّي ارحمني أنا عبدَكَ أو أمتَكَ... الخاطئَ... أو الخاطئةَ"...